ابراهيم بن عمر البقاعي

516

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

مِنْ لِينَةٍ وهي ضرب من النخل ، قال ابن إسحاق : هو ما خالف العجوة من النخل ، وقال ابن هشام : اللينة من الألوان ، وهي ما لم يكن برنية ولا عجوة من النخل فيما حدثني أبو عبيدة - انتهى . وقال صاحب القاموس اللون : الدقل من النخل ، وهي جماعة واحدتها لونه ولينة ، قال المهدوي : وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أيضا أنها لون من النخل ، وقال البغوي : ورواية زاذان عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقطع نخلهم إلا العجوة . وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر الألوان واحدها لون ولينة ، وقال عطية والحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون : اللينة : النخلة ، اسمان بمعنى واحد ، وجمعها لين وليان ، وقال سفيان الثوري : اللينة ما تمرها لون وهو نوع من التمر شديد الصفرة يشف عن نواة فيرى من خارج ، قال البغوي : يغيب فيها الضرس ، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم ، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف أحب إليهم من وصيف ، فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم وقالوا للمؤمنين : إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون ، دعوا هذه النخلة ، فإنما هي لمن غلب عليها ، وقال الرازي في اللوامع واختلاف الألوان فيها ظاهر لأنها أول حالها بيضاء كصدف مليء درّا منضدا ، ثم غبراء ثم خضراء كأنها قطع زبرجد خلق فيها الماء ثم حمراء كأنها ياقوت رص بعضه ببعض ثم صفراء كأنها شذو عقيان ، ولذلك إذا بلغ الإرطاب نصفها سميت مجزعة لاختلاف ألوانها كأنها الجزع الظفاري . ولما كان مافسر بمؤنث هو اللينة ، أعاد الضمير مؤنثا فقال : أَوْ تَرَكْتُمُوها ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال : قائِمَةً ولما كان المراد نخيلا كثيرة لإرادة الجنس قال : عَلى أُصُولِها بجمع الكثرة فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي فقطعها بتمكين الملك الأعظم ورضاه ، قال القشيري : وفي هذا دليل على أن الشريعة غير معللة وإذا جاء الأمر الشرعي بطل طلب التعليل وسكتت الألسنة عن التقاضي ب « لم » وحضور الاعتراض والاستقباح بالبال خروج عن حد العرفان . ولما فطم عن طلب العلل خطابا للكمل ، طيب قلوب من دونهم بعلة معطوفة على ما تقديره : فليس ذلك بفساد ولكنه صلاح أذن لكم فيه ليشفي به صدور المؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ، فقال واضعا موضع ضميرهم ظاهرا يدل على ما أوجب خزيهم : وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ * الذين هم أصلاء في المروق من دائرة الحق بأن يذلهم ويفضحهم ببيان كذبهم في دعواهم العز والشجاعة والتأييد من اللّه لأنهم على الدين الحق وأنه لا يتطرق إليه نسخ ، وروى أبو يعلى عن جابر رضي اللّه عنه أنه قال : رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا رسول اللّه ! علينا إثم فيما